تُشكل الفقرات المتعلقة بالملف النووي والعقوبات (السابعة، الثامنة، والرابعة عشرة) الفصل الأكثر خطورة في "مذكرة إسلام آباد". ومحاولة تسويقها كضمانة لإنهاء التهديد النووي الإيراني تنطوي على خلل منهجي؛ إذ تكشف القراءة العميقة عن مسار يعترف بإيران كدولة "حافة نوويّة"، ويمهّد لانهيار هندسة العقوبات الغربية بأكملها.
استحالة رفع العقوبات
تتعهد أميركا في الفقرة السابعة بإنهاء "جميع" العقوبات، بما فيها عقوبات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية والعقوبات الأميركية الأحادية (الأولية والثانوية). نقطة الضعف القاتلة هنا تكمن في الجهل أو التجاهل لهيكلية النظام السياسي الأميركي. رئيس الولايات المتحدة لا يملك السلطة الدستورية لإلغاء قوانين العقوبات التي أقرها الكونغرس بجناحيه. هذا الوعد غير قابل للتطبيق واقعياً، مما يجعل الاتفاق برمّته "قنبلة موقوتة" قابلة للانفجار عند أول اصطدام بالمشرّعين في "الكابيتول هيل".
سراب تفكيك النووي
في المقابل، تلتزم إيران في الفقرة الثامنة بـ"مزج (down-blending) المواد المخصبة". الزاوية الغائبة والمقصودة هنا هي غياب أي ذكر لتفكيك أجهزة الطرد المركزي المتقدّمة، أو تدمير البنية التحتيّة النوويّة، أو حتى التطرق لبرنامج الصواريخ الباليستية الناقلة. هذا يعني ببساطة أنّ طهران تحتفظ بكل قدراتها التقنية التي تسمح لها بالعودة لتخصيب اليورانيوم في أيّ لحظة. الوثيقة لا تنزع السلاح النووي المحتمل، بل تشرعن وضع إيران كـ"دولة حافة نووية".
قرار أممي ملزم
الفقرة الرابعة عشرة، التي تشترط إصدار قرار ملزم من مجلس الأمن، تمثل إصراراً إيرانياً ذكياً لتكبيل أيّ إدارة أميركيّة مستقبليّة. طهران تعلّمت درس الانسحاب الأميركي عام 2018، وتسعى لتدويل الاتفاق لمنع واشنطن من التفرد بتمزيقه لاحقاً.
مخاوف الدب الروسي
في سياق مواكب لما يجري في المنطقة، تراقب موسكو هذا المشهد بازدواجية مقلقة. فرغم ارتياحها لانكفاء القوة الأميركيّة في الشرق الأوسط، إلا أنّ عودة النفط الإيراني بقوّة وبشكل شرعي إلى الأسواق العالميّة سيشكل ضربة قاصمة لأسعار النفط التي تعتمد عليها آلة الحرب الروسيّة. الأهم من ذلك، تصالح طهران (ولو مرحلياً) مع واشنطن يُفقد الكرملين ورقة الابتزاز الجيوسياسي ضد الغرب.
أوروبا المذعورة
أمّا الاتحاد الأوروبي، الغائب الأكبر عن هندسة هذا الاتفاق، سارع إلى الترحيب به لأسباب اقتصادية بحتة (خفض التضخم وأسعار الطاقة). لكن بروكسل تدرك في قرارة نفسها أن واشنطن تخلّت عن حلفائها الأوروبيين، وباعت شواغل الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان مقابل تأمين سوق النفط، تاركة أوروبا مكشوفة أمام تمدّد النفوذ الأوراسي.
مكاسب أنقرة التجارية
بالنسبة لتركيا، يشكل رفع العقوبات الموعود انطلاقة لـ"عصر ذهبي" من التبادل التجاري مع طهران. أنقرة ترى في الاتفاق فرصة ضخمة لشركاتها ومقاولاتها للمشاركة في خطط إعادة الإعمار، وتعزيز موقعها كمركز عبور رئيسي لموارد الطاقة الإيرانية نحو الأسواق الأوروبية.
"الى ذلك نخلص الى أنّ مذكرة إسلام آباد" ليست خطة سلام مستدام، بل هي "وثيقة تسليم وتسلم" براغماتية؛ تعترف واشنطن بموجبها بإيران كقوة إقليمية مهيمنة مقابل استقرار موقّت لأسواق الطاقة. وفي ظل هذا المشهد، تدرك دول المنطقة أن عليها صياغة استراتيجيات بقاء ذاتية، بعد أن أثبتت واشنطن أن مصالحها الانتخابية والاقتصادية تعلو فوق أي تحالفات تاريخية.
سلام حافة الهاوية
في الختام، إن قراءة الشق النووي وقضية العقوبات في المذكّرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا لسنا أمام معاهدة أميركية صارمة لمنع الانتشار النووي، بل أمام "وثيقة تعايش" اضطراريّة مع واقع إيران الجديد كدولة "حافة نوويّة" معترف بها ضمنياً. لقد اختارت واشنطن تأجيل الانفجار بدلاً من تفكيك الصاعق، مراهنةً على إضفاء شرعيّة أمميّة للاتفاق عبر مجلس الأمن لتجاوز الألغام الدستوريّة والمواجهة الحتميّة في الكونغرس الأميركي.
بهذا الاتفاق، وبكل ما يحمله من فخاخ قانونية وتنازلات استراتيجية، تطوي واشنطن رسمياً صفحة هندستها الأمنيّة التقليديّة لعموم الشرق الأوسط. إنّها تدشّن نظاماً إقليمياً هجيناً تُترك فيه دول المنطقة لتدبّر أمنها الذاتي، بينما يعيد اللاعبون الأوراسيون (روسيا والصين) تثبيت مواقعهم في الفراغ الأميركي المتروك. في نهاية المطاف، وبانتهاء سلسلة تحقيقاتنا لهذه المذكرة، يتضح أن ما كُتب في إسلام آباد ليس سوى استراحة قصيرة ومكلفة على حافة الهاوية، تؤسس لجولات قادمة ومحتومة من صراع النفوذ؛ ولكن هذه المرة، بقواعد اشتباك جديدة فرضتها طهران، ووقّعت عليها واشنطن بخط يدها.
لمراجعة تشريح (مذكّرة إسلام آباد) الموقّعة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب ونظيره الايراني مسعود بزشكيان في مقالتين سابقتين:
*وهم المليارات في اتّفاق "اسلام آباد": هذه هي أثمان السلام الأميركي الباهظة
*لبنان في المزاد: سيادة معلّقة ومقايضة كبرى في وثيقة إسلام آباد























































